عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
154
اللباب في علوم الكتاب
فالجواب : أمّا على قول أصحاب أبي حنيفة ، فالسؤال ساقط عنهم ؛ لأنهم حملوا قوله تعالى « الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » على أن الجمع بين الطلقات غير مشروع ، وإنّما المشروع هو التفريق ، فإن تلك الآية في بيان كيفية الجمع والتفريق ، وهذه في بيان كيفية المراجعة . وأمّا على قول أصحاب الشافعي ، الذين حملوا تلك الآية على كيفية المراجعة ، فلهم أن يقولوا : إنّ من ذكر حكما يتناول صورا كثيرة وكان إثبات ذلك الحكم في بعض تلك الصور أهمّ ، أن يعيد بعد ذلك الحكم العامّ تلك الصورة الخاصّة مرّة أخرى ؛ ليدلّ ذلك التكرير على أن في تلك الصورة من الاهتمام ، ما ليس في غيرها ، وها هنا كذلك ؛ لأنّ قوله : « الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ » فيه بيان أنه لا بدّ في مدّة العدّة من أحد هذين الأمرين ، ومن المعلوم أنّ رعاية أحد هذين الأمرين عند مشارفة زوال العدة ، أولى بالوجوب من سائر الأوقات التي قبله ؛ لأن أعظم أنواع الإيذاء ، أن يطلقها ، ثم يراجعها مرتين عند آخر الأجل ؛ حتى تبقى في العدة تسعة أشهر ، فلمّا كان هذا أعظم أنواع المضارة ، حسن إعادة حكم هذه الصورة ، تنبيها على أنّ هذه الصورة أعظم اشتمالا على المضارة ، وأولى بأن يحترز المكلف عنها . فصل في معنى الإمساك بالمعروف قال القرطبيّ « 1 » : الإمساك بالمعروف ، هو القيام بما يجب لها من حقّ على زوجها ؛ وكذلك قال جماعة من العلماء : إنّ من الإمساك بالمعروف أنّ الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة ، أن يطلقها ، فإن لم يفعل خرج عن حدّ المعروف ، فيطلّق عليه الحاكم من أجل الضرر اللّاحق بها ؛ لأن في بقائها عند من لا يقدر على نفقتها ، ضررا ، والجوع لا يصبر أحد عليه ، وبهذا قال مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيدة ، وأبو ثور ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وهو قول عمر ، وعلي ، وأبي هريرة . وقال سعيد بن المسيّب : إنّ ذلك سنة ، ورواه أبو هريرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقالت طائفة : لا يفرّق بينهما ، ويلزمها الصبر عليه ، وتتعلّق النفقة بذمّته ، بحكم الحاكم ؛ لقوله تعالى : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [ البقرة : 280 ] . وحجّة الأوّلين الآية ، وقوله - عليه الصّلاة والسّلام - : « تقول المرأة إمّا أن تطعمني وإمّا أن تطلّقني » . رواه البخاري في « صحيحه » « 2 » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 102 . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 9 / 410 ) كتاب « النفقات » : باب وجوب النفقة حديث رقم [ 5355 ] من حديث أبي هريرة .